عبد الملك الجويني

411

نهاية المطلب في دراية المذهب

عزيز ، فجرت بينها وبين امرأة سوداء في جوارها خصومة ، فأشاعت السوداءُ الخبرَ في الجيران : أني أرضعتُها وزوجَها ، فسمعه الرّجل وساءه ذلك ، فسأل أهلَه وأهلها ، فقالوا : لا نعلم أنها أرضعتك ، وذلك بمكة ، [ فركب ] ( 1 ) إلى المدينة ، وقال : يا رسول الله إني تزوجت بابنة أبي إهاب بن عزيز ، وزعمت امرأة سوداء أنها أرضعتني وإياها ، فوالله ما أرضعتني ولا أخبرتني قبل ذلك ، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ، فأعادها ، فقال في الثالثة أو الرابعة : " كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما " وفي رواية : " فكيف وقد قيل " ( 2 ) فطلقها بين يدي رسول الله صلى الله عليه ، ونكحت زوجاً غيره . والحديث دل على فوائد : إحداها - أن الرّضاع لا يثبت بالإمكان ، والدليل عليه إعراضُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتردده ، وتركُ جزم القول بالتحريم ، ثم دلت حالُه ومقاله على تأكيد الأمر بالتورّع ، ثم فهم الرجل وجهَ الاحتياط في ذلك المجلس أو كان عَلِمه من قبل ، فطلقها ، وسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جرى دليلٌ آخر على أن الرضاع لم يكن محكوماً به ؛ إذ لو كان ، لما كان للطلاق معنىً ، ودل أن مقتضى الورع التطليق ، فإنها لو تركت تحت الإشكال والاحتمال ، لأضرّ ذلك بها ، ولو سُيِّبت ، لم يحل لها أن تَنْكِح . 10073 - ثم ذكر أن الزوجين لو تقارّا على الرضاع ، ثبت وابتنى عليه فسادُ النكاح ( 3 ) ، ثم لا يخفى حكمه ، ولو رجعا عن الإقرار ، لم يُقبل رجوعهما ، وقد ذكرنا في كتاب الطلاق والرّجعة أن المرأة لو ادعت انقضاءَ العدة ، حيث تُصدَّق وأبطلت رجعةَ الزوج ، فلو رجعت عن قولها ، [ فهل ] ( 4 ) يقبل رجوعها ، وذكرنا

--> ( 1 ) في الأصل : وكتب إلى المدينة . ( 2 ) حديث زوج ابنة أبي إهاب رواه البخاري ( الشهادات ، باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء ، وقال آخرون ما علمنا بذلك ، يُحكم بقول من شهد ، ح 2640 ) وانظر التلخيص 4 / 11 حديث رقم 1843 . ( 3 ) ر . المختصر : 5 / 65 . ( 4 ) في الأصل : فقد .